
اليمن في يوم القدس العالمي.. موقف ثابت لا يقبل المساومة
السبت، 29 رمضان 1446هـ الموافق 29 مارس 2025 الساعة 00:14:07
صنعاء – سبأ : تهامة نيوز : جميل القشم
في زمن غابت فيه العزائم عن الكثير من الشعوب العربية والإسلامية، خرج اليمنيون بمسيرات مليونية هادرة في يوم القدس العالمي، كأنما كانت الأرض نفسها تهتف لفلسطين، وكأن كل شبر من اليمن صار صوتا يندد بتخاذل الحكومات ويؤكد أن فلسطين، في قلوب اليمنيين.
تلك المسيرات كانت إعلانا آخر على أن اليمن، رغم حصاره الطويل، لا يزال الحارس الأمين للقدس، ففي الوقت الذي هرولت فيه دول عربية للتطبيع مع الاحتلال الإسرائيلي، كان اليمنيون يقدمون درسا حقيقيا في الوفاء لفلسطين، وهذه الحشود الكبرى بمثابة رد عملي ومباشر على كل محاولات التضييق التي تعرضت لها القضية الفلسطينية من خلال سياسة بعض الأنظمة العربية.
ليس غريبا أن يكون اليمن هو البلد العربي الأكثر زخما في إحياء يوم القدس العالمي، فهذا البلد الذي يتعرض لحصار خانق وعدوان مستمر لم يساوم يوما على مواقفه، ولم يضعف إيمانه بأن تحرير فلسطين جزء من معركته الكبرى ضد الهيمنة والاستكبار.
في كل شارع وساحة، علت الهتافات، وارتفعت العلم الفلسطيني إلى جانب العلم اليمني، في مشهد يختصر المسافة بين اليمن والقدس، ويؤكد أن الجغرافيا لم تكن يوما حاجزا أمام الموقف، بل أن القضايا العادلة تخلق لها انصارا وإن بعدت المسافات.
هذه المسيرات كانت إعادة تأكيد لمعادلة واضحة في زمن السقوط، بأن هناك من لا يزال واقفا، وهناك من لا تزال القدس لديه ليس مجرد شعار، بل عقيدة ومبدأ ومصيرا.
لم يكن حضور الشعب اليمني في هذا اليوم مجرد استجابة لدعوة سنوية، بل كان ترجمة لموقف متجذر، يرى في فلسطين امتحانا للأمة، ويفهم أن من يتخلى عن القدس اليوم سيتخلى عن كرامته غدا، وسيرهن قراره بالكامل لأعدائه.
ما يميز اليمن عن غيره هو أن هذا الموقف ليس للاستهلاك الإعلامي، بل هو جزء من هوية شعبية، تجعل من فلسطين معركة شخصية لكل يمني، وكأن كل منزل في صنعاء أو صعدة أو الحديدة وغيرها هو بيت في القدس.
مسيرات يوم القدس العالمي في اليمن، أشبه بمحاكمة مفتوحة للتاريخ، حيث تم فضح الخونة، والتأكيد على أن اليمن، رغم كل جراحه، لا يزال هو الحصن الأخير للمواقف الصلبة التي لم تُشتر ولم تباع.
وينظر الكثير من أحرار الشعوب العربية والأجنبية باعتزاز إلى تنامي موقف اليمن العظيم لنصرة فلسطين، ويرون في هذه المسيرات، واجبا مقدسا، وامتدادا لمعركة اليمن نفسه، التي هي في جوهرها ليست فقط ضد العدوان، بل ضد كل مشاريع التبعية والخضوع التي تسعى إلى تحويل الأمة إلى مجرد تابع ذليل للغرب والصهاينة.
في لحظات مثل هذه، يدرك اليمني أن معركته مع من يعتدي على بلاده لا تنفصل عن معركته مع من يحتل القدس، لأن العدو واحد، والمشروع واحد.
حين تنظر إلى هذه المسيرات، تدرك أن هناك فرقا جوهريا بين الشعوب التي فقدت إحساسها بذاتها، وبين تلك التي لا تزال تمتلك القدرة على الغضب، والرفض، وعلى الصراخ في وجه الطغاة.
يظل اليمن المدافع عن القضايا العادلة للأمة، وفي مقدمتها قضية فلسطين، ففي حين أدارت فيه العديد من الدول العربية ظهرها للأقصى، وابتعدت عن مبادئها الوطنية والإسلامية، أصر اليمن أن يكون في مقدمة الصفوف ليؤكد للعالم أن فلسطين هي البوصلة التي لا يمكن التنازل عنها.
وبحسب مراقبين فإن الخروج المليوني المتصاعد في اليمن يمثل أحد صور الهوية المتجذرة لشعب أصيل يرسخ مواقفه الثابتة، ما جعله أحد أبرز الأقطاب التي تمثل المقاومة في العالم العربي والإسلامي، فالمسيرات المليونية التي خرجت في يوم القدس العالمي، أكدت أن اليمن ليس فقط يتبنى القضية الفلسطينية، بل يعمل على إحيائها في كل زاوية من أرضه.
في المقابل، يرى المحللون أن الصمت الذي يخيم على كثير من العواصم العربية هو نتاج مشروع مدروس، هدفه أن تصبح فلسطين قضية من الماضي، وأن تتحول القدس إلى ذكرى هامشية، وأن يصبح الاحتلال جزءا طبيعيا من المشهد السياسي في المنطقة.
لكن اليمن، الذي كسر كل المعادلات، يرفض أن يكون جزءا من هذه المسرحية الرخيصة، هنا، لا تباع القضايا، ولا تشترى المواقف، وهنا لا يسمح بأن تتحول فلسطين إلى سلعة تفاوضية، تقايض بمناصب أو اتفاقيات مذلة.
وتتجسد عظمة تضامن الشعب اليمني المتواصل بتأكيد قائد الثورة السيد عبدالملك بدر الدين الحوثي، في أكثر من مناسبة أن “فلسطين ستظل في قلب كل يمني، وأن اليمن سيظل يمثل الصوت المدافع عن الأقصى، ولن يتخلى عن مواقفه مهما كانت التحديات، هذه الكلمات كانت بمثابة إعلان أن قضية فلسطين ليست خيارا سياسيا ظرفيا في اليمن، بل هي قضية دينية وقومية تتجاوز الحدود السياسية.
اليمن اليوم لا يرفع فقط علم فلسطين، بل يرفع راية الأمة التي سقطت من أيدي حكامها، ويؤكد أن القدس ستظل القضية التي تسقط العروش، وتكشف الوجوه، وتعيد كتابة التاريخ من جديد، ليس بأقلام الساسة، بل بصوت الشعوب التي لم تمت بعد.