اليوم الوطني للصمود.. اليمن يصنع تاريخه بإرادة لا تقهر

الخميس، 27 رمضان 1446هـ الموافق 27 مارس 2025 الساعة 00:56:48

صنعاء – سبأ : تهامة نيوز _جميل القشم

السماء التي كانت تمطر قنابل، تحولت إلى سماء تمطر عزيمة، والأرض التي أرادوا أن يجعلوها رمادا، أصبحت تنبت صمودا، والشعب الذي ظنوا أنهم سيركعونه، أصبح منارة لكل من أراد أن يعرف معنى العزة، ليصبح اليوم الوطني للصمود ليس مجرد محطة زمنية، بل شهادة على أن الأوطان لا تسقط ما دام فيها رجال يحملون قلوبا تنبض بالحرية.

في السادس والعشرين من مارس، لا يقف اليمن عند حدود جغرافية لذكرى احتفالية، بل هي روح تتجسد في كل مدينة وقرية، في كل جبل وسهل، حيثما نظرت تجد قصة صمود تحكى، وملحمة نضال تسطر، وعينا لا تنطفئ منها جذوة التحدي.

عندما بدأ العدوان قبل عشر سنوات، كان الرهان على أن الشعب اليمني سينهار تحت القصف، الحصار، والتجويع، لكن اليمنيين لم يكونوا ورقة في مكاتب الساسة الدوليين، ولا مجرد أرقام في تقارير استخباراتية، بل كانوا شعبا قرر أن يجعل من العدوان نقطة تحول، لا محطة انهيار، كانوا يقولون: إنها مسألة أيام”، ثم أصبحت أسابيع، ثم شهورا، ثم سنوات.

بينما كانت العواصم تتآمر، كانت القرى اليمنية تبني، والمدن تبعث من تحت الركام، والمدارس تفتح أبوابها، والمصانع تنهض، والجبهات تشتعل عزيمة، لم يكن الصمود شعارا في خطابات، بل كان رغيف خبز يصنع رغم الجوع، وكتاب يفتح رغم الحصار، وسلاح يطور رغم التحديات.

عندما سقطت أول قنبلة، لم يكن الرد بيان استنكار، بل كان قرارا بأن هذا العدوان لن بمر دون ثمن، وأن اليد التي امتدت لتدمير اليمن ستقطع مهما طال الزمن، فبينما كان العالم يتفرج، كان الشعب اليمني يصنع تاريخه، بلا دعم، بلا مؤتمرات مانحين، بلا إعلام عالمي يواسيه، بل بصبر لم يعرف مثيله، وإصرار لم تشهده المعارك الحديثة.

الصمود اليمني لم يكن يمنيا فقط، بل كان امتدادا لمشروع أمة، فلسطين كانت في القلب، لم تكن مجرد قضية يتحدثون عنها في بيانات، بل كانت معركة يخوضها اليمن عمليا، حين اشتعلت غزة تحت القصف، لم يكن الرد اليمني مجرد خطابات تضامن، بل طائرات ومسيرات، وسفنا تعلن أن اليمن لم يعد دولة محاصرة، بل بات لاعبا في موازين القوى.

معركة البحار كانت امتدادا لهذا الصمود، حيث أدرك العالم أن اليمن ليس جزيرة معزولة، بل دولة تعيد رسم خرائط الجغرافيا السياسية، من مضيق باب المندب إلى البحر الأحمر وبحر العرب، حيث لم يعد بإمكان أحد تجاهل الصوت الذي كان يراد له أن يخنق لكنه أصبح زئيرا يصل إلى ما هو أبعد من حدوده.

في المصانع التي لم تتوقف، وفي المزارع التي لم تذبل، والأسواق التي لم تغلق، كان هناك صمود آخر، كسر الحصار، وحول الأزمات إلى فرص، وجعل الاستقلال الاقتصادي هدفا، ليس ترفا، وكان الإنتاج المحلي يرتفع، والاعتماد على الذات يتجذر، والشعب يتعلم أن قوته ليست في الموارد فقط، بل في إرادته.

على جبهة التعليم، كانت الفصول مفتوحة رغم كل شيء، والأجيال تتعلم أن المعرفة سلاح لا يقل عن البنادق، وأن الفكر المستقل هو جدار الصد الأول أمام محاولات غزو العقول قبل الأوطان، لم يكن الطلاب يحملون دفاترهم فقط، كانوا يحملون فكرة أن المستقبل يصنع، لا يوهب، وأنهم الجيل الذي سيكمل مسيرة البناء.

أما المرأة اليمنية، فقد كانت هناك، حيثما كان الصمود، بصبرها ودعمها، لم تكن مجرد متفرجة على العدوان، بل كانت صانعة النصر، إما زوجة أو أختا أو ابنة لكل من حمل السلاح، أو القلم أو المطرقة أو المِحراث.

وحين نتحدث عن الصمود، لا يمكن إلا أن نتذكر الشهداء، الذين غادروا لكنهم لم يرحلوا، ما زالت أرواحهم تضيء الدروب، تروي الحكايات، وتؤكد أن الدم لا يهدر حين يسفك من أجل الحرية، أن التضحية ليست نهاية، بل بداية عهد لا مكان فيه لمن أرادوا لليمن أن يكون تابعا.

اليوم الوطني للصمود، هو لحظة تتجدد، درس لا ينسى، رسالة تقول للعالم إن من راهن على سقوط اليمن خسر رهانه، وإن من ظن أن اليمن سينكسر لم يعرف التاريخ جيدا، لأن هذه الأرض لم تسقط يوما، ولن تسقط ما دام فيها رجال أقسموا أن الكرامة خط أحمر.

لا تزال الرحلة مستمرة، ولا يزال الطريق طويلا، لكن ما هو مؤكد أن اليمن اليوم ليس كما كان قبل سنوات، إنه أقوى، أكثر صلابة، أكثر استقلالا، وقدرة على فرض خياراته، وكتابة مستقبله بيده، دون إملاءات، أو وصاية من أحد.

هذه الأرض لا تعرف الهزيمة، وهذا الشعب لم يعرف الاستسلام، وما بدأه اليمنيون لن ينتهي إلا بنصر يليق بتضحياتهم، مهما كان الثمن، ومهما حاول الأعداء.

اليوم، وبعد مرور عشرة أعوام من الصمود، أصبح المجتمع اليمني أكثر تماسكا، رغم محاولات العدو تفكيك نسيجه، وأصبحت التحولات السياسية واضحة، مع تبني مشروع الصمود كموقف استراتيجي لا يقبل المساومة.

على الجبهة العسكرية، كانت القوات المسلحة تتبع تكتيكات دقيقة تظهر براعة في إدارة المعارك، رغم القصف المتواصل، وكانت القدرة على الصمود تتجدد في كل معركة، وكل نقطة دم ساهمت في صنع انتصارات متتالية على الأرض.

العدوان الذي لم تسلم منه المنازل والمصانع والمزارع والمدارس والجامعات والمستشفيات وصالات الأفراح والعزاء والأسواق ومرافق ومنشآت الخدمات، طالت آثاره كل المدن اليمنية، وأدى الى نزوح آلاف الأسر، وتدمير البنية التحتية، ولكن رغم ذلك كان المجتمع اليمني يبدو أكثر إصرارا على تجاوز التحديات بالتعاون والتكاتف.

كانت القبيلة اليمنية، بكل تاريخها العريق، تقف كداعم أساسي للمجاهدين في مختلف جبهات العزة والشرف، فصوتها كان ينادي بالنصر وبالكرامة، كان اليمن يواجه تحديات لم يشهدها من قبل، فالحصار كان يحاول خنق الاقتصاد، لكن الشعب وجد في كل أزمة فرصة للابتكار، وبدأت المبادرات المحلية تسهم في الحد من تداعيات الوضع الاقتصادي ولو بالحد اليسير.

وفي الجانب الإنساني، لم يكن الوضع أفضل، فمع استمرار الحصار وتداعيات الأزمة الاقتصادية والإنسانية، كانت عيون اليمنيين تراقب الوضع، ورغم كل المعاناة، ظل الأمل والتكاتف شعورا سائدا في كل قرية ومدينة.

أصبح الصمود اليمني رمزا لتكاتف الشعب في جميع المناطق، حيث أثبت اليمنيون أن العدوان مهما طال، لن يستطيع كسرهم، واليوم، ومع بداية مرحلة جديدة، يتطلع اليمنيون إلى غد مشرق، رغم أن الطريق لن يكون سهلا، لكنهم مستمرون في السير على هذا الطريق بكل ثقة وعزم ليبقى اليمن شامخا في وجه العدوان.

مقالات ذات صلة